الشيخ محمد رشيد رضا

63

الوحي المحمدي

أين هذه النوبة العصبية القصيرة الزمن ، والمعروفة السبب ، التي لا دعوة فيها إلى علم ولا إصلاح اجتماعي ، إلا المدافعة عن الوطن عند الضيق التي هي مشتركة بين الإنسان والحيوان الأعجم التي لا حجّة تدعمها ، ولا معجزة تؤيدها . التي اشتعلت بنفخة ، وطفئت بنفخة ؟ . أين هي من دعوة الأنبياء التي بيّن الأستاذ الإمام إنها حاجة طبيعية من حاجات الاجتماع البشرى ، طلبها هذا النوع بلسان استعداده فوهبها له المدبر الحكيم ( الذي أعطى كلّ شئ خلقه ثمّ هدى ) فسار الإنسان بذلك إلى كماله ، فلم يكن أدنى من سائر المخلوقات الحية النامية ، بل أرقى وأعلى ؟ وأين دليلها من أدلة النبوّة ؟ وأين أثرها من أثر النبوة ؟ . إن الأمم التي ارتقت بما أرشدها إليه تعليم الوحي إنما ارتقت بطبيعة ذلك التعليم وتأثيره . وإن فرنسا لم ترتق بإرشاد ( جان دارك ) وتعليمها ، وإنما مثلها مثل قائد انتصر في واقعة فاصلة بشجاعته ، وبأسباب أخرى ليست من صنعه ، واستولت أمته بسبب ذلك على بلاد رقتها بعلوم علمائها ، وحكمه حكمائها ، وصنع صناعها ، ولم يكن القائد يعرف من ذلك شيئا ولم يرشد إليه ، فلا يقال إن ذلك القائد هو الذي أصلح تلك البلاد ، وعمّرها ومدّنها ، وإن عدّ سببا بعيدا فهو شبيه بالسبب الطبيعي ، كهبوب ريح تهيج البحر فيغرق الأسطول وتنتصر الأمة . أين حال تلك الفتاة التي كانت كبارقة خفت ( أي ظهرت وأو مضت ) ثم خفيت وصيحة علت ولم تلبث أن خفتت ، ومن حال شمس النبوّة المحمدية التي أشرقت فأنارت الأرجاء ، ولا يزال نورها متألق السناء ؛ أمي يتيم قضى سن الصبا وشرخ الشباب هادئا ساكنا لا يعرف عنه علم ولا تخيل ، ولا وهم ديني ولا شعر ولا خطابة ، ثم صاح على رأس الأربعين بالعالم كلّه صيحة ؛ إنكم على ضلال مبين ، فاتبعون أهدكم الصّراط المستقيم ، فأصلح وهو الأمى أديان البشر ؛ عقائدها وآدابها وشرائعها ، وقلب نظام الأرض فدخلت بتعليمه في طور جديد ؟ . لا جرم أنّ الفرق بين الحالين عظيم ، إذا أنعم النظر فيه العاقل الحكيم ، ولا سعة في جواب سؤال كهذا لتقرير الدليل على النبوة بالتفصيل ، وإنما أحيل السائل على التأمل في بقية بحث النبوة في رسالة التوحيد ، ومراجعة ما كتبناه أيضا من الأمالي الدينية في المنار ، ولا سيّما الدرس الذي عنوانه ( الآيات البيّنات ، على صدق النّبوات ) وإن كان يصدق على